19.10.2017

المقاتل الذي حمل سلاحين خليل أويسال

رغبت أن أكون محارباً وسينمائيَّاً سأتوجه نحو حلمي كالنملة التي تسير نحو الكعبة ومستعد للموت في سبيل تحقيقه

 

 

 

 

سورغول

من هاوٍ للتصوير الضوئي في ألمانيا، إلى مصوِّر تلفزيوني في الفضائيات الكرديَّة: "ميد تي في، ميديا تي في، روج تي في"، فمراسل صحفي لهذه الفضائيات في ساحات الحرب الكرديَّة _ التركيَّة، إلى سينمائي، يسعى لترجمة النضال الكردي المسلَّح في تركيا، وتوثيق هذه التجربة، عبر أربعة أعمال سينمائيَّة حققها في جبال كردستان، ضمن ظروفٍ، غاية في الصعوبة، وبإمكانات شبه معدومة. إنها مسيرة المخرج الكردي الشاب؛ خليل أويسال، الذي رحل عن عالمنا أواخر شهر آذار، على خلفية اشتباك مسلَّح بين المقاتلين الأكراد والجيش التركي، في منطقة بستا التابعة لولاية شرناخ في كردستان تركيا.

ولد خليل أويسال سنة 1973 في ألمانيا، من أسرة كرديَّة، اضطرت للهجرة من تركيا إلى أوروبا تحت ضغط تردِّي الظروف السياسيَّة والاقتصاديَّة. يعود الحسُّ الفنِّي لديه لمرحلة الطفولة. وفي مرحلة الشباب، كان مهووساً بالتصوير الضوئي. وما أن بدأت أول فضائيَّة كرديَّة بثَّ برامجها من العاصمة البليجكيَّة بروكسل، وهي "ميد تي في"، آذار/ مارس سنة 1995، حتى اتَّجه أويسال نحوها، للعمل فيها، بشكل مجَّاني تطوّعي، كمصوَّر وتقني. أوفدته الفضائيَّة الكرديَّة إلى كردستان، صيف 1995، في مهمة قصيرة، بغية إجراء بعض اللقاءات والريبورتاجات المصورَّة، ترصد حياة المقاتلين الكرد التابعين لحزب العمال الكردستاني، وإنجاز بعض البرامج عن تلك المناطق، ورفد القناة الكرديَّة بالمواد المصوَّرة الخام عن تلك الأجواء، بغية الاستفادة منها في برامج أخرى. وصيف 1997، صوَّر أويسال المروحيَّة التركيَّة التي أسقطها المقاتلون الكرد أثناء الاجتياح التركي لكردستان العراق. ويبدو أن أويسال وقع تحت تأثير حياة ومعاناة المقاتلين الكرد وجمال طبيعة المكان، فقرر البقاء حيث هو، يقاسم المقاتلين حياتهم وخبزهم، وحتى بنادقهم. وارتضى لنفسه أن يكون مقاتلاً مثلهم. لكن، يحمل سلاحين، الكاميرا والبندقيَّة. ومن هناك، بدأ عمله كمراسل لفضائيَّة "ميديا تي في"، بعد إغلاق "ميد تي في"، بضغط تركي، ثم لفضائيَّة "روج تي في"، بعد إغلاق "ميديا تي في"، وأيضاً، بضغط تركي. وإضافة إلى عمله كمراسل تلفزيوني، كان أويسال يزاول الكتابة الصحفيَّة، وتدوين مشاهداته هناك، وكتب عشرات المقالات بهذا الصدد، كانت تنشر في زاوية خاصَّة، حملت عنوان: "عينيّ خليل".

أعماله

خلال فترة بقائه في جبال كردستان، التي دامت 13 عاماً، ورغم وعورة المكان، وصعوبة وقسوة ظروف الحرب، وشحِّ الإمكانات التقنيَّة، إلا أنه استطاع تحقيق أربع أشرطة سينمائيَّة، تتناول مجريات وقصص حقيقيَّة، جرت مع المقاتلين الأكراد ضمن الصراع الكردي _ التركي، الذي صار أويسال أحد ضحاياه. وهذه الأفلام هي:

(Tirej _ الشعاع).

(Ruiye me ye nepeni _ وجوهنا المجهولة)، ويحكي الفيلم قصَّة حقيقيَّة، جرت شتاء 1990، لمجموعة من المقاتلين، مكلَّفة بمهمَّة عاجلة وضروريَّة للوصول إلى مكان محدَّد، فيسيرون لأيَّام، ضمن عاصفة ثلجيَّة شديدة. ومن شدَّة البرد والتعب والإعياء، يبدأ عناصر المجموعة بفقدان حياتهم، واحداً تلو الآخر. ولا تتوقف المجموعة عن مواصلة مسيرتها. ومع كل مقاتل يفقد حياته، ثمَّة قصَّة، واستحضار للذاكرة. وتظهر العلاقات الرفاقيَّة الإنسانيَّة في أرقى صورها، حين ترى أنك تفقد رفيقاً عزيزاً للأبد، ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً بغية إنقاذه. ولا يبقى خيار آخر سوى المواصلة، لأن البقاء ضمن تلك الأجواء العاصفة، تعني النهاية الجماعيَّة. ويستمر المسير، ويستمرُّ معه فقدان المقاتلين لأرواحهم، إلى أن ينهي انهيار ثلجي حياة المتبقي منهم. وخلال هذا العمل، حاول أويسال أن يعالج فكرة عداوة الطبيعة للمقاتلين الكرد، وإصرارهم على إتمام مهمَّتهم، مهما كانت الأكلاف، فضلاً عن كشف الجوانب الإنسانيَّة الخفيَّة التي تعتمل الإنسان أثناء مواجهة الموت.

(eyna bejne )

مرآة القامة، أو المرآة الكبيرة التي تظهر فيها قامة الإنسان. ويتناول هذا الفيلم قصَّة فتاة كرديَّة صغيرة، موجودة بين المقاتلين، يبدو أنها قد فقد والديها، ضمن الحرب. وأثناء تمشيط إحدى المقاتلات لشعر الفتاة أمام مرآة صغيرة، تفصح هذه الفتاة برغبتها النظر إلى نفسها، وكيف أنها كبرت، وقاربت سن البلوغ، ضمن مرآة كبيرة تبيّن كامل قامتها. ولأن هذه الطفلة مدللة لدى المقاتلين، يكلِّف القائد الميداني هناك، مجموعة مقاتلين بالذهاب إلى مدينة قريبة لشراء مرآة كبيرة، يزيد طولها عن المتر. وأثناء رحلة الذهاب وتكليف أحد القرويين بشراء المرآة، وإياب المجموعة وعلى ظهر أحدهم المرآة، تبدأ الأهوال والمخاطر، وتصبح المرآة عبئاً، ومبعثاً للخطر والتهلكة، إلا إنهم لا يتخلون عنها. ويقع المقاتلون في كمين الجنود الأتراك، إذ تفضحهم أشعة الشمس المنعكسة على المرآة، إلا أنهم يتخلون عنها، وينجحون في الإفلات من الكمين بأعجوبة. وأكثر من مرَّة، كانت المرآة على عرضة للكسر، نتيجة الركض والزحف والاختباء ضمن تلك الطبيعة الوعرة وظروف الحرب. في نهاية المطاف، يصل المقاتلون ليلاً إلى مكانهم، وتكون وقتها الطفلة نائمة. ويبدأ المقاتلون، وضمن إضاءة خافتة جداً، الواحد تلو الآخر، بالوقوف أمام المرآة، يتأمَّلون أنفسهم، وكيف أن الزمن وظروف الحرب، قد نالت من شبابهم. كل ذلك، ضمن منولوج داخلي، غاية في الحساسيَّة. وبذا، عكست هذه المرآة العوالم الداخليَّة للمقاتلين، وليس أشكالهم وحسب.

(beritan _ بيريتان)

 ويحكي هذا الفيلم، قصة حقيقة، جرت لمقاتلة كرديَّة، اسمها الحقيقي (غُلناز كراتاش)، أثناء الاجتياح التركي لكردستان العراق في خريف 1992، ومساندة الأحزاب الكرديَّة العراقيَّة للجيش التركي لمحاربة مقاتلي العمال الكردستاني. وبيريتان هذه، ولدت في اسطنبول، والتحقت بالجبال، بحثاً عن حريَّتها وحريَّة شعبها. هذه المقاتلة تكون قائدة مجموعة من المقاتلين. وأثناء وقوعها في حصار قوات البيشمركه الكرديَّة، المتعاونة وقتها مع الجيش التركي. وبعد نفاذ ذخيرتها، تعتلى بيريتان قمَّة، كانت في ما مضى، مكان لقائها بحبيبها حسين. وتبدأ بيريتان بتحطيم بنقديتها، حتى لا يقع سلاحها بيد "العدو"، وترفض طلب البيشمركه بالاستسلام لهم، ثم تلقي بنفسها من أعلى القمَّة وهي تزغرد، لتفقد حياتها، إثر ذلك. في هذا الفيلم، حاول أويسال انتقاد الاقتتال الكردي _ الكردي، ورفض الخيانة والاستسلام. كما انتقد أويسال مظاهر الفساد والخيانة في الثورة الكرديَّة في تركيا، وترجيح خيار المقاومة على خيار الاستسلام والفساد. كما لم ينسّ اويسال تناول الجوانب الإنسانيَّة التي تعتمل نفوس المقاتلين الكرد. بخاصة، حين تناول قصَّة الحبّ العذري التي تربط بيريتان وحسين، وعلاقة بيريتان الحميمة مع رفاقها، والتزامها بمبادئها، ورفضها للحجاب.

نهاية حلم تحقق

يقول خليل أويسال في إحدى مقالاته: " أحلم أن أنجز فيلماً وثائقياً، يتحدث عن حياة الكريلا في شمالي كردستان. حتى الآن، لم يحاول أحد القيام بعمل كهذا. أسميت الفيلم "السائرون نحو جبال آغري". لا أعرف، إن كان حلمي سيتحقق أم لا. خاصة، ضمن ظروف الحرب الدائرة في هذه البلاد. لكن مهما يكن، فإنني سأتوجه نحو حلمي، كالنملة التي تسير نحو الكعبة، ومستعد للموت في سبيل تحقيقه. لم أستطع أن أكون متفرِّجاً على ما يجري بحقِّ شعبي. رغبت أن أكون ضمن القتال محارباً وسينمائيَّاً. ومن أجل ذلك، حملت كل ما أملك على ظهري، وسرت على خطى الكريلا".

الأفلام الأربع التي أنجزها هذا المخرج الشاب،  لا شكَّ أنها تعاني من نقاط ضعف، بخاصة على الصعيد التقني، نتيجة انعدام الكادر الاحترافي والمستلزمات التقنيَّة، ورغم أن ابطال أعماله كلهم كانوا من المقاتلين، إلا إن جودة هذه الأعمال تكمن في الأفكار والمعالجات البصريَّة، واستفادة أويسال من حركة الكاميرا ضمن الطبيعة الجبليَّة الخلاَّبة، كشفت عن تجربة سينمائي واعد، يمتلك عيناً قنَّاصة، فائقة الحساسيَّة، تجيد صناعة المشهد، أنجزت إبداعاً هامَّاً، وخلقت فنَّاً أمتع وأبكى ملايين الأكراد، ضمن انعدام الإمكانات، وظروف غاية في القسوة. كان أويسال مزمع على جمع المادة التصوريَّة لفيلمه الوثائقي، الذي أسماه: "السائرون نحو جبال آغري"، راصداً تجربة المقاتلين الأكراد، من منطقة بوطان على الحدود العراقيَّة _ التركيَّة، إلى جبال آغري في قلب كردستان تركيا. لذا، بدأ رحلته سيراً على الأقدام، بين تلك الجبال، كمقاتل وكسينمائي، من جبال قنديل نحو الأراضي التركيَّة، وأصيب بجراح في منطقة بوطان، صيف 2007، إلا أنه واصل مشواره. وفي نهاية ربيع 2008، فقد أويسال حياته، مع ثلاثة من رفاقه المقاتلين، على خلفية اشتباك مسلَّح بين المقاتلين الكرد والجنود الأتراك. بذا، أزهقت الحرب حلم السينمائي الواعد في منقطة بستا، بالقرب من جبال كابار، ضمن الأراضي التركيَّة. لتصبح قصته مع الكاميرا والبندقية في جبال كردستان، وثيقة نضاليَّة إنسانيَّة هامَّة، يمكن أن تصبح مادة فيلم سينمائي، ينتظر الإنجاز. فضلاً عن أن أعماله، ينبغي أن تستقطب المزيد من النقد والمراجعة، مع الأخذ بالسحبان ظروف وإمكانات إنجازها.

يقول خليل في إحدى مقالاته: "هنا، في هذه الجبال، غيَّرتُ كونيتي (أويسال، وتعني بالعربية؛ الوجه الليّن، أو البشوش)، إلى "داغ، وتعني الجبل، فصار اسمي: خليلَ الجبل. وسأبذل قصارى جهدي كي أليق بهذا الجبل الذي علمني الكثير. التاريخ الكردي هو سفرٌ للخيانة والعشق والمقاومة. وقد عايشت هذه الحالات على ذرى هذه الجبال، فكنت شاهداً على خيانات البعض، وبقيت مع المقاومين، وتعرَّفت على رفاق كُثر، دمجوا عشقهم بعشق الوطن والحريَّة، وساروا نحو جبهات القتال، واستشهدوا. يعني، أصبحت حياتي جزءاً من حيوات هذه الجبال، وفصلاً من فصول هذه الحكاية التي تجري أحداثها على قممها. السينما وحدها، بإمكانها كشف حقيقة مقاتلي الحريَّة، ها هنا، على هذه الجبال".

الشهيد عاكف

يحرر الأوطان بالكدح وعرق الجبين

الشهيد اسماعيل ديريك

الشهيد البطل الذي تجمع فيه جميع الخصال الثورية

زينب حكاية عنفوان

حكاية عنقاء أينعت من عهد ميديا خلعت ثوب الاستكانة وارتدت ثوبا مطرزا بألوان نوروز

2017 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
[email protected]